صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

121

شرح أصول الكافي

بالوحي والمعجزات صلوات الله على سيد المرسلين وعليهم أجمعين . وإلى ما ذكرنا أشار بقوله : وقطع عذرهم بالحجج ، والحاصل انه لما فطر عباده فطرة منفصلة من البهائم والانعام وكرمهم بكرامة النطق وفضيلة النفس على سائر النفوس والطبائع للأجسام أقدرهم على طاعته بما جعل فيهم وأكمل به لهم من الآلات والقوى وسائر الأمور والأسباب المتوقف عليه العبادة والطاعة ، فكلفهم بطاعته وأوجب عليهم عبادته والا فيكون خلقهم عبثا وتعطلا وهو محال عليه تعالى كما قال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ . « 1 » وقوله : فعن بينة هلك من هلك وبمنه نجا من نجا ، مقتبس من قوله تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 2 » ، ومعنى الآية إشارة إلى أن الله سبحانه نصب لعباده الحجج والبينات وأكمل لهم القوى والآلات وأقدرهم على فعل الحسنات وترك السيئات ، ثم كلفهم وامرهم بالطاعات والخيرات وزجرهم ونهاهم عن الشرور والمنهيات وبين لهم طريقي الخير والشر ، وأوضح لهم سبيلي النفع والضر والنعمة والنقمة والسعادة والشقاوة والنجاة والعقوبة ، ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يبق لاحد معذرة ولا يكون له حجة . ولا يبعد ان يكون المراد من الهلاك والحياة والكفر والايمان اطلاقا للمسبب على سببه إذا الكفر والعناد سبب الهلاك الأبدي والايمان والانقياد سبب الحياة السرمدية ، يعنى ليصدر كفر من كفر وايمان من آمن عن وضوح بينة ، والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله وقضائه . والآية تدل على أنه تعالى أراد من الفريقين جميعا العلم والمعرفة والخير والصلاح وذلك يبطل مذهب المخالفين من الأشاعرة انه تعالى أراد الكفر من الكافر ، والحق ان الخير والايمان والطاعة واقعة في قضاء الله وارادته بالذات والشر والكفر والمعصية واقعة فيه بالعرض وسيأتي إيضاح هذه المطلب في باب الخير والشر بما لا

--> ( 1 ) . المؤمنون / 115 ( 2 ) . الأنفال / 42